الثلاثاء، 17 أغسطس 2010

أ أكون غير ذلك ؟

تنتزع مني رحمة هؤلاء الأطفال كل غضب وتهديني إطمئناناً أستحقه ..فالأيام الرتيبة والمشاعر الموحدة والموجهة إليّ بكل تلقائية تسلب مني قيمتي كإنسان ذي منفعة لا شئ يجدي فما أقوم به هو من أسوأالأعمال في أنظار الآخرين هو من أثرها قذارة ..انطويت على ذاتي لأيام ..هجرت متع الحياة لأشهر ..دفنت نفسي بين الأضرحة بإنعزالي مع ماضٍ صنع شخصيتي..استويت على كل طريق وتوقفت أرمق المباني الضخمة والمحلات الفخمة التي على ضفتيه .. المظاهر ولا شئ غيرها من معلومات ..أنا أعرف الأديم لكل مبنى وأجهل المحتوى ..تستهويني فكرة الحوار مع أحد الأشخاص..ولكن كيف ؟ كيف وهوائهم لا يحق لي كيف وهوائي الذي أتنفس منه مختلف ؟؟
كيف ويداي لاتستحق حتى الحركة أمام أنظارهم لأنها وبكل بساطة ملوثة بما طهّرَتْهُ من نجاساتهم لم يعد في حياتي ما يبهج ..لم يعد لقلبي نصيباً من الفرحة التي امتلأتُ بها في لحظة عابرة وبسبب من استصغرتُ قدرته على فعل ذلك ..الحياة من تروض جوارحنا.. هذا هو المبرر الوحيد الذي املكه في موقفي ذاك .. لم ولن يُطلَبَ مني أي تبرير ولكنه اشباع لذاتي بأهميتها ووجودها في المحيط ..
امسكتُ العصا وتوكأتُ عليها اجول ببصري في كل مكان حولي الأمهات ,الأباء ,الأطفال الكل يلهو بما قدِّرَ له من وسائل ..وأنا وحدي من يبحث عن فرحة فائضة يلتقطها بعصاه ويركلها لقلبه علّه ينتفض بالحياة بعدها ..لم أكن أُشعِلُ مصباحاً أمام كل أمنية لي اكتفيت بدسها بين ثنايا الضلوع ..اكتفيت بتربيتها في ظلام روحي ..
أأجدُ في محيطي نصيبي من الأفراح ؟؟ أأجدُ في جوفي ما هو صالح في أنظارهم المصوبة لكلماتي التي تتساقط بقحط ؟؟
لاا أعلم أقولها وكل ريبة في العالم تجتمع حول صدري المختنق بريبته .. لا شئ يستحق الإبتهاج من أجله لا شئ هنا يدعوني لتسجيل الذكريات العذبة ..كل ما حولي قذارة ..أُجبِرت على لملمتها لألملم بها شتات عائلتي ..
ابحرتُ بين همومي الفائضة على ملامحي لتُرَسِبَ انعقاد حاجبيّ وانحناء شفتي للأسفل بشكل شبه مستمر ..
وجدتُ لذاتي جزءاُ أهملته على حساب العائلة التي تعلق رجائها علي يديّ ..
أهملتُه حينما قضيتُ وقتي بين المهملات أدسُ فيها أوساخ الآخرين وقاذوراتهم .. الصندوق الأصفر سلب مني الكثير ..سلب سعادتي ..سلب مني هواءً نقياً استحق استنشاقه ..
الصندوق الأصفر سلبني ووضع مكاني جسداً مُهْمَلاً وعقلاً لا يلقى له اهتماماً ..
في دياري لا أجد إلا لبناً لا يستساغ للشاربين ولا آكل إلا طعاماً لايلذ للآكلين ..
أما غربتي فقد اشبعت معدتي واجاعت روحي لوجودها كروح تستحق الإلتفات ..
لم أكن أعلم أن ما سأواجهه يصعب على بشر مثلي يقدر الإنسانية ويعطيها حجماً هائلاً بحجم الأرض التي ورثها الأنسان دون تفرقة..
بدأت معاناتي منذ أن أعلنتُ وجودي بصرخة ترددت أصداءها في فضاء اتسع لكل شئ إلا أنا ..
معاناتي التي أخذت تتضخم مع كل عام يمضي دون تحقيق لأنجاز ..ودون مكان مهيأ لإنجازات أصلاً ..
الوضع هناك مزري والحياة هنا ذليلة ولا يدفعني لتحمل ذلها إلا ما أرسمه بهذا الذل في صدري ..
فأنا أرسم به كياني المحترم الذي أبى السرقة واستعاض عنها بالعمل الذي يلوث يديه بدلاً من بترها كعقوبة شرعية لمرتكب السرقة ..
ماذا عساي أقول وهذا الطفل الآن يمد يده إليّ بكل براءة وعطف لم يجد مستقره إلا على روحي الممزقة من قسوة الآخرين ..
أنا عامل النظافة ..
عامل النظافة الذي لايعرف هواء بلا رائحة ..
صغيري ..
لو أنّ أوجاع الدنيا كل ترحل الآن لن أستطيع ...
صدقني لن أستطيع استدراك السعادة المقبلة دون ذكرى مؤلمة غرزت خيوطها في نسيجي بكل اتقان ..
صغيري ..
عيناي ستشي بي فلا داعي لسرد كلمات لا تسمعها وإن سمعتها فلن تعيها لأنها بحروف ليست من حروف لغتك ..
ولا حتى بحروفٍ تلائم سنك التي لم تعلمك سوى الجري وراء ألعابك ومتعك ..
نداءاته المتكررة لي ويداه الممدودتان إليّ اخرجتني من غفوتي الحزينة التي بدأت أدخل فيها وتظهر عليّ علاماتها ..
أخذت الحلوى بتردد.. ملكتها وكأني ملكتُ بها فرحتي المشردة ووجودي المغفول عنه ..
أخذتها وتذكرتُ حينها طاغور وقوله :ذات يوم سأل الممكن المستحيل أين تقيم فأجاب في أحلام العاجز ..
تذكرتها ولكن لساني رقص بما يشابه جملته فقد أعياه الحديث عن همومي حتى صار يحوِّل كل شئ لصالح التعبير عن مشاعري ..
لساني نطق بـ سأل ممكني مستحيلي أين تقيم ؟؟ فأجاب في أحلام صاحب الياء ..
ودعتُ الطفل بإبتسامة وقطعة نقدية زهيدة لعملة الهند وطني الذي لم أظفر بالعيش فيه ..ولم أظفر بإهدائه مجداً كنت قد حلمتُ به ..
-تمت-

ليست هناك تعليقات: